الشيخ محمد حسن المظفر

25

الإمام الصادق ( ع )

من الكدر وأنها تخبئ كثيراً من الآلام والآفات والنكبات ، أما الغرّ غير المجرّب فهو كالطفل يرى حلاوتها ولم يشعر بمرارتها ، فيغترّ بها كما يغترّ بلين مسّ الحيّة وإِن كان فيها السمّ القاتل ، والإمام عليه السلام وجميع المصلحين يحذّرون من الاغترار بنعيم الدنيا ، لأنه يسبّب طغيان الانسان وعتوّه ونسيان الآخرة وما يجب من العمل لها في فرصة الحياة الدنيا . وإن شئت أن تبعد غوراً في عرفانها فتبصّر بقوله في صفتها : " إِن هذه الدنيا وإِن أمتعت ببهجتها ، وغرّت بزبرجها ، فإن آخرها لا يعدو أن يكون كآخر الربيع ، الذي يروق بخضرته ثمّ يهيج ( 2 ) عند انتهاء مدته ، وعلى من نصح لنفسه وعرف ما عليه وله أن ينظر إليها نظر من عقل عن ربّه جلّ وعلا وحذر سوء منقلبه ، فإن هذه الدنيا خدعت قوماً فارقوها أسرع ما كانوا إليها ، وأكثر ما كانوا اغتباطاً بها ، طرقتهم آجالهم بياتاً وهم نائمون ، أو ضحَى وهم يلعبون ، فكيف اُخرجوا عنها ، والى ما صاروا بعدها ، أعقبتهم الألم ، وأورثتهم الندم ، وجرعتهم مُرَ المذاق وغصصتهم بكأس الفراق ، فيا ويح من رضي عنها أو أقرّ عيناً ، أما رأى مصرع آبائه ، ومن سلف من أعدائه وأوليائه أطول بها حيرة ، وأقبح بها كرّة ، وأخسر بها صفقة ، وأكبر بها ترحة ، إذا عاين المغرور بها أجله وقطع بالأماني أمله ، وليعمل على أنه أعطي أطول الأعمار وأمدَّها ، وبلغ فيها جميع الآمال ، هل قصاراه إِلا الهرم ، وغايته إِلا الوهم ( 1 ) نسأل اللّه لنا ولك عملاً صالحاً بطاعته ، ومآباً إلى رحمته ، ونزوعاً عن معصيته ، وبصيرةً في حقّه ، فإنما ذلك له وبه " ( 2 ) .

--> ( 3 ) ينبس . ( 1 ) الثقل والرداءة . ( 2 ) مهج الدعوات ، في باب أدعية الصادق ، وقد أشرنا إليها في فصل استدعاء المنصور له في أوّل مرّة .